حين تتحوّل المسؤولية إلى رسالة… السيد مصطفى نموذج الإطار الذي يعيد الاعتبار لمعنى الإصلاح السجني
ليست إدارة السجون مجرد تسيير يومي لمرفق عمومي، ولا هي سلطة تُمارس من خلف الجدران العالية، بل هي، في عمقها، اختبار حقيقي لمدى نضج الدولة في التعامل مع الإنسان حين يخطئ، وقدرتها على تحويل العقوبة إلى فرصة للإصلاح، والانكسار إلى بداية جديدة. وفي هذا السياق، يبرز اسم السيد مصطفى، مدير السجن المحلي بالجديدة “المشمس”، كعنوان بارز لمدرسة تدبيرية تؤمن بأن الكرامة الإنسانية لا تسقط خلف القضبان.
فهذا الإطار المتمرّس لم يأتِ من فراغ، بل راكم تجربة مهنية مشهود لها، حين شغل سابقًا منصب مدير السجن المحلي بسيدي موسى بالجديدة، حيث بصم على مسار إداري وإنساني متميّز، جعل اسمه يحظى باحترام واسع لدى الهيئات الحقوقية، والجمعيات المدنية، وكذا لدى نزلاء المؤسسة وأسرهم. وقد اقترنت تلك المرحلة بسمعة طيبة، وحسن تدبير، وانفتاح مسؤول نادر، جعل من المؤسسة نموذجًا في التعامل المسؤول والإنساني.
ذلك الرصيد المهني والأخلاقي كان وراء الثقة التي وُضعت فيه لاحقًا لتولي إدارة السجن المحلي “المشمس”، حيث واصل بنفس النفس الإصلاحي، وبنفس الصرامة المتوازنة، نهجه القائم على الحكامة، والإنصات، واحترام كرامة الإنسان، مؤكدًا أن الإدارة ليست سلطة جامدة، بل رسالة ومسؤولية أخلاقية قبل كل شيء.
وليس من باب المجاملة القول إن المؤسسة السجنية بالجديدة عرفت، في عهده، تحولًا ملموسًا في طريقة التدبير، وفي طبيعة العلاقة بين الإدارة والنزلاء. فقد تم الانتقال من منطق العقاب الصرف إلى مقاربة إصلاحية متكاملة، تُوازن بين تطبيق القانون وصيانة الكرامة الإنسانية، وتُكرّس فلسفة الإدماج بدل الإقصاء.
لقد نجح السيد مصطفى في ترسيخ مناخ يسوده الانضباط المسؤول، وفتح قنوات التواصل، وتشجيع المبادرات التربوية والتأهيلية، بما ينسجم مع التوجيهات الملكية السامية الرامية إلى جعل السجن فضاءً للإصلاح وإعادة البناء، لا مجرد محطة للعقوبة.
وما يميّز تجربته، أن نجاحها لم يكن إداريًا فقط، بل إنسانيًا في عمقه؛ إذ أعاد الاعتبار لقيمة الإنصات، ولحق النزيل في المعاملة الكريمة، وجعل من المؤسسة السجنية فضاءً يمكن أن يُستعاد فيه الأمل، وتُصحَّح فيه المسارات، وتُبنى فيه فرص الاندماج من جديد.
إن الحديث عن السيد مصطفى ليس إشادة عابرة، بل هو اعتراف بعمل ميداني جاد، وتجسيد حي لما يمكن أن يقدمه الإطار الوطني حين يُمنح الثقة، ويشتغل بروح الدولة، وبضمير حي، وبقناعة راسخة بأن الإنسان، مهما أخطأ، يظل قابلاً للإصلاح.
إنها تجربة تُحسب له، وتستحق أن تُقدَّم كنموذج وطني في تدبير المؤسسات السجنية، ورسالة واضحة مفادها أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الرجال الذين يؤمنون بمسؤوليتهم… ويؤدونها بصمت وكفاءة.