يُعدّ الفنان التشكيلي عبد اللطيف الشوفاني أحد الأصوات الفنية العصامية التي بصمت حضورها بثبات داخل المشهد التشكيلي المحلي، ابن مدينة أزمور التي تختزن في أزقتها وذاكرتها رصيدًا حضاريًا عريقًا. لم يتكئ الشوفاني على مسار أكاديمي تقليدي، بل شقّ دربه بإرادة ذاتية، مستندًا إلى شغف أصيل بالتجريب والبحث، فكانت عصاميته مصدر قوته، ومنبع خصوصيته الأسلوبية. إن تجربته تنتمي إلى ذلك الفن الذي يتكوّن من المعاناة اليومية، ومن التأمل الطويل، ومن الإيمان بأن اللوحة ليست ترفًا بصريًا، بل فعل وجود.
عند قراءة أعماله، كما تبدو في النماذج المعروضة، يتجلى انحيازه الواضح إلى التجريد بوصفه أفقًا للتعبير الحر. في العمل الأول، تتوسط دائرة حمراء التكوين، كأنها بؤرة شعورية تشدّ العناصر المتناثرة إليها. تتجاور الكتل اللونية العمودية، وتتداخل الآثار الخطية مع المساحات البيضاء والرمادية، في بناء يشي بحوار داخلي بين النظام والفوضى. لا تبدو اللوحة مجرد ترتيب للأشكال، بل مساحة لصراع صامت بين الامتلاء والفراغ، بين الكثافة والخفة.
أما العمل الثاني، فيفيض بطاقة لونية حارة؛ الأحمر والبرتقالي والأصفر تتوهج ككتلة ضوء متحرك، بينما تقطعها ضربات سوداء عريضة تمنح التكوين ثقلاً بصريًا مقصودًا. هنا يتحول اللون إلى انفعال مباشر، وإلى لغة تعبيرية خالصة. التوتر بين الخلفية المشتعلة والخطوط الداكنة يولّد إيقاعًا داخليًا يعكس حساسية الفنان تجاه التوازن بين الانطلاق والاحتواء، بين العفوية والضبط.
وفي العمل الثالث، يبلغ الاشتغال التركيبي درجة أعلى من التعقيد، حيث تتشابك الأشكال الهندسية والدوائر والخطوط داخل فضاء داكن كثيف. يقترب الشوفاني هنا من روح التجريد الهندسي دون أن يفقد بصمته الشخصية. تتعدد المستويات البصرية، وتتكاثر التفاصيل، فتغدو اللوحة أشبه بمدينة رمزية أو كيان مركّب متعدد الطبقات. إن المتلقي مدعو إلى إعادة النظر مرارًا، لأن المعنى لا يُستنفد من النظرة الأولى.
ما يميز تجربة عبد اللطيف الشوفاني هو قدرته على التنقل بين درجات التعبير دون أن يفقد وحدته الداخلية. فالتنوع في الأساليب لا يلغي الخيط الناظم الذي يجمع أعماله، وهو خيط البحث الدائم عن جوهر الشكل، وعن الإيقاع الكامن خلف اللون. إن انتماءه إلى أزمور، المدينة التي تختلط فيها الأزمنة والرموز، يبدو حاضرًا في هذا التراكم الطبقي للألوان، وفي ذلك الحس الذي يمزج بين العفوية والتأمل.
إن أعمال الشوفاني لا تراهن على الزخرف، بل على الصدق البصري. إنها تجربة فنان صنع نفسه بنفسه، وأثبت أن العصامية حين تقترن بالموهبة والإصرار تتحول إلى قيمة مضافة، وإلى شهادة على أن الفن الحقيقي يولد من الإيمان العميق بالذات، ومن الجرأة على تحويل التجربة الشخصية إلى لغة تشكيلية مفتوحة على التأويل والجمال.